lundi, février 13, 2006

أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية؟؟؟



قدم البروفسور المهدي المنجرة محاضرة قيمة يوم 15 سبتمبر 2005 بالمركز الاسلامي لفلانسيا بالديار الاسبانية تحت عنوان: " أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية" و ذلك في إطار لقاء نظمه هذا المركز بشراكة مع نادي روما.
و لا تخفى على أحد علاقة البروفسور المهدي المنجرة مع نادي روما، لقد كان أصغر عضو سنا ضمنه منذ 30 سنة خلت، كما كان أحد ثلاث مؤلفي تقرير النادي الثاني الذي نال استحسان العالم قاطبة، و الذي صدر سنة 1979 تحت عنوان: لا حدود للبحث و الدراسة، و المترجم إلى 12 لغة عبر العالم. إن البروفسور المهدي المنجرة يغتبر ابن الدار ، "نادي روما"، منذ التأسيس.
و قبل الشروع في لبّ موضوع محاضرته القيمة، خصص البروفسور برهة من الزمن للتطرق لمشواره البحثي، إذ خصص جزءا كبيرا من حياته للبحث و الدراسة و التقصي في مجال المستقبليات، و حصة الأسد من مؤلفاته الكثيرة الصادرة عن قلمه السيّال خصصها للدراسات المستقبلية، و الكثير منها ارتبط بإشكالية مستقبل الاسلام.
كما يُعتبر البروفسور المهدي المنجرة أحد لبنات الأساس للفدرالية الدولية للدراسات المستقبلية.
و في سنة 1990 ساهم بشكل فعّال و متميز في تنظيم أوّل لقاء حول مستقبل الإسلام بالجزائر العاصمة، و هو اللقاء الذي شارك فيه العديد من العلماء و الأساتذة و المثقفين. و قد كان إجماع بخصوص أن الإسلام وصل إلى أسوأ درجة من التقهقر في العصر الحالي لأن المسلمين ابتعدوا عن الاجتهاد و التجديد و سجنوا أنفسهم في ماض دون الانفتاح على المستقبل. و هذا ما أقر به مجمل الحاضرين بالجائر العاصمة، و من ضمنهم الغزالي و الغنوشي و الترابي و القرضاوي و الكثير غيرهم. الجميع اتفق على أن الإسلام كان دينا شديد الارتباط بالمستقبل، و يولي أهمية بالغة للمستقبل
(علما أنه من الواجب التمييز بين المستقبل و الغيب). و في نهاية لقاء الجزائر العاصمة اتفق الجميع على ضرورة الاقرار بجملة من الأولويات و على رأسها التصدي للأمية و محاربة الفقر عبر توزيع عادل للثروات داخل البادان و فيما بينها، و تخصيص استثمارات أكبر و أهم للبحث العلمي، هذا إن أراد العالم الإسلامي أن يخرج من نطاق الدول المتخلفة غير القادرة ة العاجزة على تحقيق ما تنتظره شعوبها.
و بعد هذا التمهيد تساءل البروفسور المهدي المنجرة: أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية؟ و كيف يمكن الربط بين عبارات: مستقبل، الإسلام، أوروبا؟
هذه هي المهمة الصعبة التي عزم البروفسور المهدي المنجرة على القيام بها، أي الاجابة على هذين السؤالين.
و قبل الشروع في الاجابة، أكد البروفسور أنه عندما قام ببحث بشبكة الويب عبر محرك غوغل بخصوص عبارة "الإسلام" تلقى فورا ما يناهز 20 مليون مرجع و بيان تقريبا، و عندما قام بتوليفة بين عبارتي "الإسلام" و "أوروبا" حصل على مايناهز 15 مليون من المراجع و البيانات. و غزارة هذه المعطيات الكمية كافية و زيادة لتوضيح شساعة الموضوع بدون تعليق.
فقد أكد البروفسور المهدي المنجرة على أنه بعد 15 سنة من الآن سيبلغ عدد المسلمين بأوروبا مايناهز 210 مليون شخص أي ما يمثل 12 في المئة من عدد مسلمي العالم.
ثم انطلق البروفسور من مقولة سبق و أن قالها أحد الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين و التي مفادها أن الحروب المقبلة ستكون حروبا سيميائية (sémantiques) أي مرتبطة بالمعنى المرتبط بالكلمات و المفردات و المفاهيم و بعمليات الدلالة و عمليات الاتصال، أي الوسائل التي بواسطتها تتوالد المعاني و يجري تبادلها بين الناس، و بالتالي فإذا تمكنت جهة من الجهات من فرض معاني معينة التي تختارها و تفضلها،فهي المنتصرة في هذه الحروب. و من هنا تبرز الأهمية القسوى للتساؤل: أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية؟ و ما هي مضامين "الإسلام" في أوروبا الحالية على صعيد الخطاب الرسمي و وسائل الاعلام و الاتصال؟
يقر البروفسور المهدي المنجرة أنه في الدراسات المستقبلية يكون دائما المستقبل مفتوحا، و كذلك الأمر بالنسبة للإشكالية التي نحن بصددهان و هذا حسب عبارات محببة جدا للسيد " أوريليو بيسي" مؤسس نادي روما. و في واقع الأمر يعي المسلمون حق الوعي مشاكلهم و معضلاتهم كما يعرفون حلولها. لكن مع الأسف الشديد، هناك تواطؤ بين القائمين على الأمور، المرتشين و غير الممثلين للشعوب، مع جملة من المثقفين الانتهازيين و المرتزقة، و كذلك مع حكومات الدول الغربية و على رأسها الولايات المتحدة. و هذا التواطؤ ساهم و لازال يساهم في شل صيرورة التغيير الفعلي في بلدان العالم الاسلامي.
و بهذا الخصوص أكد البروفسور المهدي المنجرة..." لقد قُلتها و سأعيد قولها الآن، ليس هناك قوة غربية مستعدة لقبول قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية و فعلية بالعالم الإسلامي. لأن مثل هذا التغيير سيضرب مصالحها التي توفرها لها، و بسخاء، الأنظمة المرتشية القائمة حاليا"...
و هذه قضية لها ارتباط وثيق بإشكالية مستقبل المسلمين بالديار الأوروبية. و يعتقد البروفسور المهدي المنجرة أن انعكاسات هذه الإشكالية ستكون لها تأثيرات أكبر و أعمق من انعكاسات السياسات الأوروبية المحلية أو التشريعات الجديدة التي أضحت تتناسل حاليا للمزيد من الحد من الحقوق الأساسية للمواطنين المسلمين و غير المسلمين. و إلى حدود الآن ، يمكن ملاحظة بسهولة، أن جميع الآليات المبلورة لمراقبة المواطنين المسلمين بأوروبا لا تتوفر فيها أدنى درجة التمثيلية. و بهذا الخصوص يتساءل البروفسور المهدي المنجرة، كيف يُعقل تلقين الديمقراطية بوسائل و أساليب غير ديمقراطية و عنصرية؟؟؟ و هنا كشف البروفسور عن تقارب غريب بين ما يجري في أوروبا في هذا الصدد و ما يجري في الدول الاسلامية.
و لقد كتب البروفسور المهدي المنجرة مرارا و تكرارا أنه لا يعرف إلى حد الآن نظاما قائما بالعالم الإسلامي في إمكانه الاستمرار في المسك بزمام الأمور ببلده دون مساندة و دعم القوى الغربية، و بقاعة المركز الاسلامي بفلانسيا، ذهب البروفسور أبعد من ذلك حيث أقر بأن أي نظام من الأنظمة القائمة بدول العالم الاسلامي ليس في مقدوره الاستمرار في الحكم أكثر من 5 إلى 10 سنوات مقبلة على أكبر تقدير اللهم إذا قبل إجراء تغييرات جوهرية بحثا على نوع من الانسجام مع الانتظارات الفعلية للشعوب و مطالبهم.
و في نظر البروفسور المهدي المنجرة، إن تطور مستقبل الاسلام بالديار الأوروبية يظل مرتبطا بأمرين اثنين: مستقبل الاسلام بالغالم من جهة ، و مستقبل أوروبا من جهة أخرى.
و في هذا النطاق فتح البروفسور المهدي المنجرة قوسا للقول أنه لا يتحدث "عن الاسلام الأوروبي" أو "الإسلام الغربي"- كما هي الموضة حاليا- و ذلك أنه لا يوجد إلا إسلام واحد، دين يهدف إلى الوحدة عبر الاندماج لكن في ظل التعددية، و هذا ما يعبر عنه مفهوم "الأمة" التي لها حدود روحية و سوسيوثقافية و ليس حدود جغرافية.
و إذا كان مفهوم الدولة قد عرف عدة تطورات بدءا من الحروب الصليبية إلى أن وصل إلى مرحلة التجاوز في أوروبا بفعل السعي الحثيث للوحدة. فإن الأمر غير ذلك بالعالم الاسلامي حيث تأكد المسار نحو التفتت و التجزئة منذ سقوط الامبراطورية العثمانية.
ثم تطرق البروفسور المهدي المنجرة إلى الإشكالية الديموغرافية بخصوص الأديان عبر العالم، حيث لاحظ أن المسيحيين يقدرون بـ 1 ، 2 مليار نسمة و المسلمين بـ 6 ، 1 مليار و الملحدين و غير معتنقي دين بـ 1 ،1 مليار و الهندوسين بـ 900 مليون و معتنقي الديانات الصينية القديمة بـ 394 مليون و أصحاب المعتقدات الأهلية بـ 300 مليون و أصحاب النعتقدات الافريقية المختلفة بـ 100 مليون و السيخ بـ 23 مليون و الوحانيين بـ 15 مليون و اليهود بـ 14 مليون نسمة. علما أن العالم العربي لايمثل إلا 20 في المئة من مجموع مسلمي العالم. و هذا يبين بجلاء أن حاضر و مستقبل الاسلام يوجد بآسيا.




إن مؤشر الخصوبة بالعالم الاسلامي تتجاوز تتجاوز قليلا ما نسبته 3 أطفال لكل امرأة، كما أن 30 في المئة من سكان العالم الاسلامي لا يتجاوز منهم 15 سنة. في حين أنه في أوروبا لا يتجاوز مؤشر الخصوبة 6 ، 1 في المئة ، و هي لا ترقى إلى نسبة ( معدل) التعويض، و 17 في المئة فقط في ساكنة لا يتجاوز سنهم 15 سنة. و بالتالي فإن المشكل أضحى ليس كميا فحسب و إنما كذلك كيفي إذا أخذنا بعين الاعتبار الهرم العمري. و لهذا أكدت الأمم المتحدة أن أوروبا ستكون في حاجة ماسة لما يناهز 159 مليون مهاجر فيما بين 2000 و 2025 .
و حاليا نجد أن المسلمين يمثلون 7 في المئة في فرنسا و 9 ، 3 فيالسويد و 4 ، 3 في ألمانيا و 4 ، 3 في بلجيكا و 7 ، 2 في بريطانيا و 2 في هولندا و 2 في الدانمارك و 6 ، 1 في النرويج و 4 ، 1 بإيطاليا و 1 ، 1 بإسبانيا. و قد نشرت مؤخرا صحيفة "الأبيسي" الاسبانية في غضون الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر 2005 مقالا مستندا على تقرير سري جاء فيه أن المسلمين سيمثلون الأغلبية ضمن سكان مليلية و سبتة قبل سنة 2018 .
علما أن منحى الهجرة نحو الغرب سائر نحو الارتفاع رغم أن المهاجرين يقومون بذلك اضطرارا باعتبار أنهم لم يتمكنوا من وجود مكان تحت شمس وطنهم يضمن لهم أدنى شروط العيش، و هذا عنصر لا يمكن نكرانه. كما أن البلدان الغربية تجد في هؤلاء المهاجرين مرتكزا لمنظوماتها الاجتماعية و الاقتصادية الغربية. و بالنظر لما ستكون عليه البنية الديموغرافية الاسلامية مع حلول سنة 2020، نلاحظ أن آسيا ستحتضن 57 في المئة من المسلمين و افريقيا 29 في المئة منهم و أوروبا 12 في المئة و أمريكا 2 في المئة. و في هذا الصدد يبرز تساؤل بخصوص تركيا. فإذا كانت تعتبر جزءا من أوروبا فإنها ستحتضن 70 مليون مسلما و الذين سيصبحون 80 مليون مسلما بعد 25 سنة، و بذلك ستفوق ألمانيا في تعداد السكان، و التي هي الآن الدولة الأوروبية الأولى من حيث تعداد السكان. فأين هي أوروبا العتيقة؟
ففي سنة 1959، سنتين بعد إبرام اتفاقية روما طلبت تركيا الانضمام إلى المجموعة الأوروبية، و أعادت الكرة سنة 1987، و لم يُقبل طلبها إلا في دجنبر 1999 في اجتماع الرؤساء الأوروبيين بهلسينكي. و بعد مرور 5 سنوات، قررت المجموعة الأوروبية في دجنبر 2004 فتح مفاوضات مع تركيا بخصوص انضمامها، و قيل أنه يمكن التقرير في انضمام تركيا في حدود سنة 2015. و سبب هذا التردد و هذا التأخير هو الثقل الذي سيمثل سكان تركيا المسلمون في صيرورة تطور المجموعة الأوروبية . إنها في واقع الأمر إشكالية قيم سوسيوثقافية، و لقد سبق لميشيل روكار (رئيس اللجنة الثقافية بالبرلمان الأوروبي) أن كتب ما معناه، ما يخيف الأوروبيين بخصوص تركيا، أنها تعتبر من العالم الثالث، تدين بالاسلام و أن عدد سكانها قد يتجاوز 100 مليون بعد 30 سنة، و بذلك سيفوق عدد سكان ألمانيا البلد الأوروبي الأول بعدد سكانه في المجموعة (أنظر صحيفة "لومند" الفرنسية ليوم 27 نوفمبر 2002 ).
ويذكر البروفسور المهدي المنجرة أنه سبق أن أكد في لقاء معه في برنامج "ملفات الشاشة" قي التلفزة الفرنسية أن الغرب يخشى من 3 إشكاليات: الديموغرافية و الإسلام و اليابان. لكن الصورة حصل عليها تغيير طفيف حاليا، بخصوص الخشية من الديموغرافية و الخشية من اليابان التي عوضتها الصين. و هكذا و بعد مرور عقد من الزمن، أدى خوف الغرب من الإسلام إلى غلإسلاموفوبيا و إلى الفوبيوقراطية، إذ أن هذا الخوف أضحى من الاعتبارات الأساسية الحاضرة بقوة في نهج اتخاذ الفرارات بالغرب. و حسب التقرير الذي أعده المركز الأوروبي لمراقبة العنصرية، فإن الاعتداءات العنيفة على النساء المرتديات للحجاب تأكدت ببريطانيا و هولاندا و السويد و الدانمارك. كما أكدت جملة من المنظمات الإسلامية ببريطانيا أن نسبة الاعتداء على المسلمين البريطانيين ارتفعت بشكل ملحوظ بعد 11 سبتمبر، و تصاعدت بما يناهز 13 مرة عما كانت عليه سنة قبل ذلك. و زاد الطين بلة بفعل أن التشريعات الجديدة بأوروبا حدت كثيرا من حقوق المواطنين.و اكتفى البروفسور المهدي المنجرة دون اتباع نهج سجال بوليميكي، بصدد تصريحات بعض المسؤولين الكبار حول الإسلام، بالادلاء ببعض الأمثلة. نسوق منها تصريح وزير الداخلية الفرنسي الذي قال ما معناه أن فرنسا تساعد مسلميها على بناء و بلورة هوية في بلد علماني ذي تقاليد مسيحية يهودية. و صرح أحد قادة حزب الجبهة الوطنية في غضون شهر سبتمبر 2005 أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2007 من أجل انقاد فرنسا من الإسلام و وضع حد لأسلمتها. كما أن وزير العدل الايطالي صرح بما معناه أنه ليس ضد الاسلام و إنما الإسلام هو الذي ضد الغرب، لكن في نهاية المطاف سيتم هزمه باعتبار أن مدينة "بادانو" قد استيقظت ( علما أنه من المعلروف ارتباط هذه المدينة بالحروب الصليبية).
و باعتبار أن البروفسور المهدي بنبركة عاش بالغرب أكثر من 3 عقود، منها 10 سنوات بالولايات المتحدة الأمريكية و 4 سنوات بانجلترا و 20 سنة بفرنسا، فإنه لاحظ تصاعد العداء ضد المسلمين، كما لاحظ تحول طبيعة هذا العداء الذي أضحى أعمق من السابق. و هذا في وقت يتأكد فيه الآن أن مستفبل الإسلام بالغرب أضحى مرهونا بهذا العداء، و في أحسن الظروف ستتطور الأمور في اتجاه تسامح يمكن مسلمي الغرب من أدنى شروط الحياة الإنسانية لكن هذا يتطلب وقتا طويلا.و يضيف البروفسور المهدي المنجرة، لكن من حسن الحظ هناك أصوات أوروبية مغايرة للسابقة. و في هذا الصدد أشار إلى "كين ليفينكتون"، عمدة لندن الذي انتقد بشدة سياسات بوش التي تساهم في عرقلة حوار الحضارات، مؤكذا أن تصدي الغرب للإسلام و إعلان الحرب عليه لن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تقوية الحركات الاسلامية المتطرفة.
و لاستكمال الصورة، تطرق البروفسور المهدي المنجرة إلى الجروح العميقة للذاكرة الجماعية الاسلامية...فهناك ملايين ضحايا حروب التحرير...و آثار الاعتداءات التي تكبدها و لازال يتكبدها الشعب الفليسطيني (شبرا و شتيلا)...نهج "كامب دافيد" للسلام الذي فشل ...التضليل الاعلامي الذي رافق الخروج من قطاع غزة و الذي جند ما يناهز 6 آلاف إعلامي للمشاركة في المسرحية... الحرب بالعراق منذ سنة 1991 و التي أسقطت أكثر من مليوني قتيل...حرب أفغانستان...حرب يوغوسلافيا سابقا و 100 ألف قتيل في صبرينكا لوحدها...حرب الشيشان و ضحاياها الذين يعدون بالآلاف... و القائمة طويلة. و يقر البروفسور المهدي المنجرة أن أكثر من 10 ملايين مسلم لقوا حتفهم بسبب تحويل مسارح الحروب من جهات أخرى في أتجاه العالم الإسلامي. و في هذا الصدد قام بإجراء مقارنة...لقد قُدر عدد القتلى في الحروب الصليبية بما يناهز 100 ألف (بدون تعليق).
إن ما يقع الأن بالعالم الإسلامي ، لاسيما جزئه العربي، سيتطلب أكثر من جيل لنسيان ما وقع. لكن يمكن منذ الآن تكريس سياسات تعليمية بأوروبا لتمكين الأجيال القادمة من تكريس ثقافة قبول الآخر في ظل التسامح الفعلي. و في هذا الصدد ذكر البروفسور المهدي المنجرة بالاجراءات التي أتخذها كل من الجنرال دوغول و الوزير الأول الألماني أديناور في ظل المصالحة الفرنسية الألمانية، إذ أحدثا لجنة خاصة لمراجعة الكتب المدرسية في كلا البلدين لتطهيرها من كل العبارات الماسة بروح و ثقافة التسامح، و ذلك قصد تسهيل تواصل ثقافي أفضل.و ركز البروفسور على أن الإسلام يناشد التعددية التي تقوي الوحدة، و قد استشهد بالآية 13 من سورة الحجرات " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " . كما أكد البروفسور أن القرآن الكريم يتكلم عن أهل الكتاب ، أي المسلمين و النصارى و اليهود، علما أن المصحف هو الكتاب الأكثر اقتناءا في العالم الآن حسب إحصائيات موقع "أمازون" بشبكة الانترنت.
إن قضية الإخلاص و الأمانة قضية جوهرية ، و إخلاص المسلمين للإسلام تأتي قبل إخلاصهم لوطنهم. و ذلك باعتبار أن الإخلاص للإسلام يتجاوز الحدود الجغرافية و يتعالى عليها. و هذا الإخلاص هو الذي يشكل اسمنت الوحدة في الإسلام الذي هو أكثر من ديانة، إنه رؤية و مشروع مجتمعي و منظومة قيم سوسيوثقافية. إنه نظام يقر و يدافع على مبدأ الاختلاف الثقافي و هذا من أسرار و أسباب انتشاره عبر العالم لأنه لم يفرض منظومة ثقافية واحدة، و بذلك فهو يقر أصلا بالتعددية التي تؤسس لوحدة تكرس تسامح و تعايش الثقافات باعتبار أن الاندماج بدون احترام الاختلاف هو إقصاء في حد ذاته.






و من المعروف أن البروفسور ظل يؤكد على دور القيم الثقافية كعنصر أساسي لتفعيل التنمية. لذلك سبق له و أن أوضح منذ 1978 أن الاقتصار على مجهودات التقويم لتجاوز الأزمة لن ينفع في شيء إن هو لم يأخذ بعين الاعتبار منظومة القيم بالدرجة الأولى، و هذا ما ظل مهمولا. فكل الحلول المقترحة يجب أن يعاد فيها النظر لإدخال منظومة القيم في الاعتبار. ألم يؤكد البروفسور المهدي المنجرة منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي على أن أسباب الحروب المقبلة ستكون ذات طابع ثقافي (حضاري)، و هذا ما أقر به كذلك سنة 1993 "صامويل هوتنكتون"، حيث أكد أن أسباب انقسامات البشرية لن تكون ذات طابع ايديولوجي أو اقتصادي و إنما ذات طابع ثقافي (حضاري) بالأساس. فيُمكن مسح مدنا و بنايات من الأرض و تدميرها كليا، لكن من المستحيل مسح أو تنحية القيم لأنها تشكل أقوى المكونات و المقومات السوسيوثقافية للمجتمع.
و في سنة 1991 عند بداية الحرب ضد العراق ضرح البروفسور المهدي المنجرة أنها أول حرب حضارية ( و هو عنوان لأحد كتبه في الموضوع " الحرب الحضارية الأولى")، و بذلك يكون هو أول من استعمل مصطلح "الحرب الحضارية" و هذا ما شهد به "صامويل هوتنكتون". لكن البروفسور المهدي المنجرة يقر بتباين بين مقاربته و مقاربة "صامويل هوتنكتون". فمقاربته وقائية نبهت إلى أن الحروب القادمة ستكون حروبا حضارية و أن الحل الوحيد لتفاديها هو التواصل الثقافي. أما مقاربة "صامويل هوتنكتون" فهي مقاربة توصيفية تقر بأن الثقافات اليهودية المسيحية لا تشكل مصدر أي خطر. لكن يكفي النظر إلى كلفة حرب العراق التي فاقت، و بكثير كلفة حرب الفيتنام. فالبانتاغون يصرف 6 ملايين دولار شهريا على العمليات العسكرية بالعراق، و بلغ عدد الموتى مليونين منذ 1991 و هو عدد يرتفع مع مرور الأيام.
ثم تطرق البروفسور المهدي المنجرة إلى المظاهر الأساسية لتأخر العالم الإسلامي، و أقر أن أهمها الأمية و الفقر و غياب الاهتمام بالبحث العلمي و الاغتراب الثقافي و وضعية المرأة غير العادلة و تضييق الخناق على حقوق الإنسان و الحريات. هذه هي أهم المعوقات المفروض تجاوزها في أقرب وقت ممكن إن أراد العالم الإسلامي الخروج من تخلفه المركب. و هذه المعوقات بالذات هي التي تساهم في تكريس رؤية معينة من طرف الأوروبي للمسلمين.
فمن المعلوم أن نسبة الأمية بالعالم الاسلامي لا مثيل لها في العالم، و بالتالي لا سبيل لتغيير الحال و الطموحلمستقبلأفضلإلا بالإلإلإعلانعن حرب ضد الجهل و الأمية. كما أن العالم الإسلامي يفتقدحتى لمعلومات عن نفسهو ما يجري به. و في هذا الصدد ذكر البروفسور منذ ثمانين القرن الماضي أن الفاتيكان عمل على تجنيد أكثر من 600 شخص على امتداد 10 سنوات و في أكثر من 200 بلد، لمعرفة كم هو عدد المسلمين آنذاك عبر العالم؟ و قد تبين أنه لأول مرة في التاريخ تجاوز عدد المسلمين في العالم عدد الكاثولكيين. و هذا يعني أن غير المسلمين يعرفون عن المسلمين مما يعرفون عن أنفسهم. و هناك تاريخ العالم الإسلامي الحديث الذي مازال "مستعمرا" و حاضره لا يتحكم فيه و جزء كبير من مستقبله مرهون. فالعالم الاسلامي مازال لم يتمكن من التحكم في مصيره.
و هناك غياب البحث العلمي الذي يستوجب قاعدة تعليمية و حرية التعبير. إلا أن ما يسمى بالبحث العلمي بالعالم الاسلامي ، ما هو في واقع الأمر إلا ضحك ‘لى الدقون. وهذا ما دفع إلى هجرة العقولإلى بلدان غربية باغتبار شروط العمل هناك.
و قد ذكر البروفسور المهدي المنجرة أنه خلال لقاء الجزائر في 1990 حول مستقبل الإسلام ألح المشاركون كثيرا على دور المرأة باعتبار أن وضعية المرأة تعتبرمن أهم حلقات الانطلاق للتصدي لمختلف المعضلات الأخرى.و قدم البروفسور المهدي المنجرة صورة مختزلة لواقع المسلمين في عالم اليوم...6 ، 1 مليار مسلم يعانون من الإهانة، إهانة حكامهم من طرف القوى العظمى، و بدورهم هؤلاء الحكام يكرسون هذه الإهانة على الشعوب. هذه صورة مختزلة لواقع المسلمين حاليا.و يرى البروفسور أنه حدث تحول في نوعية المهاجرين لاسيما بخصوص المغرب العربي. كان يشكل المهاجرون بفرنسا ذوو تكوين علمي 4 ، 2 في المئة و بعد 20 أضحت هذه النسبة 10 في المئة. و قد أكدت إحدى الدراسات أن هجرة الأذمغة تسبب خسارة للعالم العربي تقدر بما يناهز 200 مليار دولار في السنة (حسب مركز الدراسات الاستراتيجية للخليج). و حسب هذه الدراسة، فإن البلدان الغربية تجني ثمار أكثر من 450 عقل مسلم، كما أن 5 ، 4 في المئة فقط من الطلبة العرب بالخارج يعودون إلى بلدانهم التي تصرف أقل من 2 ، 0 في المئة من ناتجها على البحث العلمي. فالعالم الاسلامي يوفر لأوروبا باحثين أكفاءا، كلف تكوينهم دولهم أكثر من الاعانات و الصدقات التي تمن بها أوروبا عليهم في إطار مساعدات التنمية. لكن ما الذي يسهل نزيف العقول الاسلامية و العربية نحو الغرب؟
الجواب بسيط، إن المهاجرين ذوو تكوين علمي و تكنولوجي لا يلقون أي صعوبة للحصول على التأشيرة أو الوثائق المطلوبة، و هذا كاف و زيادة اعتبارا للوضع المأسوي للبحث العلمي بدول العالم الاسلامي.إن المشكل، في واقع الأمر ليس هومسقبل الإفسلام، فالاسلام لا يشكو من أي مشكل، و سيتطور في طريق استمراريته و هذا ما تؤكده المعطيات الديموغرافية . و إنما المشكل هو مستقبل المسلمين بأوروبا و تظل الاشكالية القيمية و الأخلاقية قضية محورية لتهييئ المسقبل.
و ختم البروفسور المهدي المنجرة بملاحظة بصدد اللغات حيث تساءل حول موقع لغة القرآن ضمن مختلف اللغات. إن الخمس اللغات الأكثر استعمالا هي الصينية و الانجليزية و الهيندي و الاسبانية و العربية. و قد بينت الاسقاطات لسنة 2050، بخصوص الفئة العمرية ما بين 15 و 24 سنة ما يلي: أن اللغات الأكثر استعمال ستكون بالنسبة لتلك الفئة العمرية حسب الترتيب الحالي، الصينية ثم الهندي ثم العربية ثم الاسبانية ثم الانجليزية ثم البرتغالية.
و أنهى البروفسور المهدي المنجرة محاضرته بالقول إن الإهانة الثقافية هي العنوان الجديد للسلم حاليا مادامت الحروب أضحت حروبا ثقافية و حضارية بالأساس
إدريس ولد القابلة