dimanche, février 12, 2006

النـخـبـة المـثقفة بالمـغرب بين سلـطة الفكـر وفكـر السلـطة

.لكم هذا المدخل، يقول الشاعر أحمد مطر ما معناه، أن الشاعر في بلد العرب نوعان: شاعـر يهـان وشاعر يدان، وبين هذا وذاك على المثقف العربي أن يختار بين أن يدان أو يهادن..ولـكم صورة النخبـة المثقفة في المغرب التي تجانب الوجهان: بين سلطة المفكر وبين مفكر السلطة، أو بمفهوم آخـر بين سلطـة منتجي الفكـر وبين مستهلكيـه..أما الفئة الأولى فهي فئة منتجي الفكر، أو هي إن صح التعبير هي التي تمارس سلطة الفكر:( المهدي بن بركة – عبد الله العروي- محمد عزيز لحبابي- عابد الجابري- المهدي المنجرة..) تعتبر فئة لم يحتويها المخزن رغم عرض عدة مناصب في جهاز الدولة، وصلت إلى منصب الوزير الأول( المهدي بن بـركة والمهـدي المنجرة.. ودعوة عابد الجابري للالتحاق بأكاديمية المملكة، وإغراءات شتى لمفكرين كلها باءت بالفشل.) إظافة على أن هذه الفئة لم تتورط في الاعتقال السياسي إثر الحملة التي استهدفت مثقفي ومنظري اليسـار في الستينيات والسبعينيات... باستثناء المهدي بن بركة الـذي اغتيل في فرنسا في ظروف يعرفها الجميع، حيث عرفت هذه الأسماء الوازنة والمعروفة في الحقل التنظيري بالمغرب والوطن العربي كيف تراوغ الحكم وتتفادى الصدام معـه..أما مفكري السلطة، أو الفئة المستهلكة للفكر المنتج من طرف الفئة الأولى و من أدبيات الفكــر السائد في المرحلة.. فقد تراوحت إيديولوجياتهم ( منذ الاستقلال إلى يومنا هذا..) بين أحزاب وتنظيمات يمينية ويسارية وإسلامية.. بحيث تبقى التنظيمات السياسية اليسارية ومن أبرزيهما تنظيمي 23 مارس و إلى الأمام، وهم من مستهلكي الفكر الماركسي اللينيني كانوا آخر من احتواهم القصر ( إدريس بن زكـري وأصحابه...) فحين وجدت حالات اسثتنائية وصفت بالتيار الراديكـالي داخل هذين التنظيمين وداخـل أحزاب محسوبة على اليسار، بحيث رفض هـذا التيار المساومة أو حتى النقاش حول المهادنة مع السلطـة القائمة، مبررين ذلك بغياب الضمانات الحقيقية والأسس الضامنة للانتقال الديمقراطي، واصفين بن زكري وأصحابه ( بالخونة)، وهذا ما وضحته الشعارات التي رفعت أثناء الجلسات العمومية التي نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، للاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، التي حملت شعار شهادات بدون قيـود من أجل الحقيقة، وهي بمثابة رد فعلي على الجلسـات العمومية التي نظمتها هيئـة الإنصاف والمصالحة التي يترأسها إدريس بن زكـري.معطى آخر هو واقعي ومشهـود، يقر أن (مفكري السلطة) الآن هم من أغلـب المعتقلين السياسيين السابقين ( بن زكري، صلاح الوديع، أحمد حرزني...)، وهنا الفارق الرئيسي والكبير في قبولهم للمهادنة والدخول في اللعبة السياسية، وشغل مناصب عليا في الجهاز المؤسساتي للدولة، وأخرها تعيين بن زكـري رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسـان (مناصب تعتبر عند رفاقهم الراديكاليين بالمناصب الملغومة).القبول بالهدنة والدخول في اللعبة السياسية، لما يُنعتون الآن (بمفكري السلطة)، جاءت على اعتبار أن الظرف الحالي هو غير الظرف السابق.. فالمعسكر الشيوعي( الاتحاد السوفيتي سابقا) انهار عن أخره، وثديه التي كانت تصب لبنا معدنيا من دون حسيب أو رقيب قد استنفذت بعد سقوطه، وكان لابد لمستهلكـي الأفكار الماركسية اللينينية بالأمس، ومفكري السلطة اليوم، أن يغيروا الأفكـار الثورية و الاستراتيجيـة التنظيمية، التي كان الهدف منها هو الوصول إلى السلطة والاستفادة، ولاسيما قد أدوا ضريبة الاعتقـال السياسي من اجل أفكارهم.كل هذا التغييرات المرحلية، جاءت عن طريق اجثثات الفكري الثوري، وهذا يعني أن هناك أزمة يعانيها المثقف العربي بصفة عامة، كما أدى ذلك إلى استبداله بالممارسة الفعلية من داخل دهاليز السلطـة القائمة، وبشروطها القائمة على قبول اللعبة بقواعدها و غير ذلك فهو مرفوض، كما أن الاستناد علـى مبررات ظروف الانتقال الديموقراطي، وكذلك اعتبار أنه لا يمكن قضاء سنـوات العمر الباقية في نهـج سياسة راديكالية عنيدة اتجاه الواقع المعيشي لظروف المواطن المغربي وللحالات المـزرية التي يعيش فيـها المعتقلون السياسيون بعد خروجهم من السجن، هذا الـواقع المفروض التي تتحكـم فيه لوبيات مخزنيـة ضخمة، يجب تغييره من موقـع السلطة وليس من خارجها، كما ينبغي إعـادة تشكيل النخـب المغربية عـن طريق استلام السلط والمناصب.هذا المبرر لا يستند على قناعة تامة لدى رفاق الأمس، مادام أن الجسم المغربي مصاب بشلل اقتصادي واضح، وعليه فإن الأمر لا يعدو أن يكون أمرا استعجالي لإنقاذ البلد من انهيار تام يؤدي إلى صراع طبقي وحتمي، وهذا ما أعلنه الراحل الملك الحسن الثاني على أن المغرب قريب من السكتة القلبية.. إعلانه جاء وليد سياسات متعاقبة فاشلة، أدخلت البلد في متاهات، أوصلته إلى الإفلاس، وهو أمر لم يدركه أحد أكثر منه، وهذا ما عجل بتشكيل حكومة التناوب الأولى برئاسة عبد الرحمان اليوسفي، التي اصطدمت بجـدار من اللوبيات المخزنية، امتزجت بين لوبي يلبس لباس السياسة، ولوبي يلبس لباس الاقتصاد، ولـوبي يلبس لباس العسكـر، ولـوبي يلبس لبـاس الثقافـة، ولـوبي آخـر يختبئ في محيـط السلطـة القائمـة..وهذا ما كشفتـه ملفات الفساد التي حركتها حكومة التناوب الأولى، حيث كانت صورة الفساد تتشابه وتتواصل من مؤسسـة إلى أخرى، كما أن أسماء المفسدين تداخلت وتشابكت والتقت في مصب وحيـد وواحد: المركز النافد في السلطـة.وجـه الخلاف بين (مفكري السلطـة) وسلطـة المفكرين هو: محاكمة الفكر، أي بمعنى آخر، مراجعة الإيـديـولوجيـات. فمن تخدم النخبة المثقفة المغربية بفكرها..؟ هل تخدم الشعب أم السلطة أم نفسها..؟و إذا كان الفئـة الأولى لا زالت تنتج الفكر والمعلومة، فهـل لا زال بالمقابل مفكري السلطة يقتاتون على ما تنتجـه..؟ أما سلطة المفكرين، فقد ظلت نظيفة وبعيدة عن كل لبس أو احتواء، أنتجت أفكارا استهلكها مفكري السلطة الحاليين للوصول إلى الحكم، كما أن التاريخ الطويل و متغيراته السياسية، هو الذي ضمن ولـوج هذه النخبة المثقفة المستهلكة للفكر إلى القصر، والتي يمكن أن ننعتها ب - زمرة الحكم الشبابي – معتبرة نفسها فئة تحس أن حقها غُبن في فترة الاعتقالات التي عاشتها، بعد أن دافعت عن هذا الفكر، متأثــرة بمفكري الستينيات والسبعينيات، وهم الذين يمثلون الآن سلطة الفكر، وهي فئة يقدرها ويحترمها القصـر أكثر من هذه الزمرة الجديدة للحكم الشبابي، التي يعتبرها مجموعة ولجت اللعبة السياسية للاستفادة لاغير، ويجب اللعب بها في هذه المرحلة من السياسة الداخلية للمغرب، لتهدئة بعض الأطراف الخارجية، وهذا ما أدى إلى الصيغة الحالية للحكم.. هـي وصفة ظلمت ملايين المغاربة بفعل هذا الانقلاب الفكري، حيـث يكون الجواب على سؤالنا السالف، هو الخلاصة بإقرار اتفاقية الكواليس بين الممارسين للفكر وبين منتجي الفكر وبين السلطة القائمة التي تحسن العوم بين هؤلاء وبين أولئك، وكذلك وجوب وجود طبقة معينـة مثقفة تدافع عن مصالحه، استنادا على ما قاله غرامش أن فئة المثقفين تمثل مصالح طبقية، وان لكل طبقـة مثقفيهـا..
نور الدين بازين
كاتب صحفي مغربي